وكالة أنباء الشعر العربي ، وكالة الشعر ، الأولى والوحيدة

الشاعر اللبناني فاروق شويخ للوكالة: الشعر سيبقى ما دام في الدنيا قلق إنسانيّ ..وأحلُم، أنْ أرى في يوم من الأيام أو حلمٍ من الأحلام محكمةً تحاسب المتطفلين على الشعر...
الاحد, 2010.02.14 (GMT)

فاروق شويخ

- بعض الشّعراء اتجهوا إلى الفكرة فقط، وهذا جيّد جداً

- دورَ الشعر في الدرجة الأولى دورَ إنتاج الجمال

-الشعر وحدَه ظاهرة اللغة التي لا تُعوَّض

-عندما ينتفي القلق يندثر الشعر

-بعض الشعراء يظنون أنْ لا قيمةَ لشعرِهم دون "رسالة"

 

وكالة أنباء الشعر/ لبنان/ حسن رعد

كأنّه الغيماتُ إذ تمرّ فوق أرضٍ يباب فيسقي بماءِ قوافيهِ ترابها الظامئ على قطرةٍ تنعشُ ذاكرة التراب وتعيدهُ إلى أصلهِ الأوّل طيناً يخلق منه على هيئة الوجود، وينفخ فيه من روح الشِّعر فتولد القصيدة تلو القصيدة.. هكذا هي حال شاعرنا فاروق علي شويخ القادم من الشّعرِ إلى الشّعر مازجاً صفو ذاتِهِ في أبياتِهِ ممتشقاً يراعَ الحقيقة الشعريّة التي يأبى لها الزّيف والتزيّف.. حيث التقيناه في وكالة أنباء الشعر وكان هذا اللقاء العابق بعطر نفسٍ تفيض بما يختلج فيه دون مواربة ومجاملة...

-بداية ننطلق من إصدارك الجديد "وجه زينب" والذي يعدّ استكمالاً لخطّ شعري سلكته منذ ديوان "مقامات ورقيّة" كيف تجد نفسك في هذا المنحى الكتابيّ؟

صوتي الشعري في هذا الكتاب وضَعني ضمن عنوانين كبيرين، هما: اللغة والتصوّف. هكذا دون قصد، وجدتني شاعرَ لغةٍ قبل كل شيء، أتفنّن في ترتيب متتالياتها النحوية، والتلاعب بالوحدات العروضية، والبنى الإيقاعية. ومن جهة ثانية، رأيت القصيدة تتوغل في عالم مناجاة الله، والبحث عن تجلياته في كل جمال أرضيّ. وهذا استئناف لديواني السّابق من حيث الرّؤى والأفكار، مع الإشارة إلى تركيز أكثر على اللغة الشعريّة.

 

-ما الذي كان لافتاً في حفل توقيع ديوانكم؟

كلّ شيء كان مميّزاً حقيقةً، فالحضور كان رائعاً وتفاعلهم مع القصائد أروع، لكن ما شرّفني بالطبع هو حضور الشاعر الكبير محمد علي شمس الدين وتفضله عليّ بكلمة عنّي وعن الديوان، هذا شيء فعلاً مميّز.

 

-أنت من الشعراء الذين شقّوا طريقهم وخطّوا دربهم في آفاق الشعر فكنتَ من الشعراء البارزين لبنانياً في فترة تعدّ قصيرةً في عمر الشعر. ما الذي دفعكَ للوصول الى ما أنت عليه؟

بكل تواضع، أقول إنه الوعي المبكّر، والاطلاع على كافة التيّارات الشعريّة. لم أكتب قصيدة وأنا على جهل بما يكتبه شعراء العالم العربي المرموقون، ولم أتعامل مع اللغة دون أن أرى مناحيها وتجلياتها في كافة الأشكال الشعرية. ومن جهة ثانية أؤمن أنْ لا شاعرَ يُكتب له البقاء إذا لم يكن ذا صوتٍ يتميّز به، وذا سلطة رؤيا تمنحه فرادةً ما.

 

-فاروق شويخ لا يكتفي بكونه شاعراً بل يعمد إلى النقد أحياناً فيمتشقُ قلم الناقد ليوجّه حبره في اتجاهات شتى. ما هي بصراحة وموضوعية انتقاداتك على الشعر والشعراء في وقتنا الحالي؟

أوّلاً، الابتعاد عن اللغة العربية!! أقول هذا مع أنّ الشعراء يكتبون باللغة العربية الفصيحة، ولكنّ بعض الشعراء اتجهوا إلى الفكرة فقط، وهذا جيّد جداً، لأنّ الفكرة ضالّة الشعراء، لكنّ اللغة تُهْمَلُ في كثير من المواضع على حساب "لقطة" أو "قفشة" عابرة. الشعر وحدَه ظاهرة اللغة التي لا تُعوَّض. فإنْ لم نستغلَّ احتمالات اللغة الجمالية التي لا تنتهي في الشعر فمَن ومتى يُتحفُنا بلغتِنا الرائعة، التي يعتبرها بعض المستشرقين أجمل لغة في العالم.

 

-ما هو موقفك مِمّا يُسَمّى بـ "قصيدة النثر"؟ وكيف ترى مستقبلها؟

هذا استكمال للسؤال السابق، فكثير من اهتمامي يتركّز على التحذير من هذه الظاهرة. ولكنني لست أحذّر منها مُنطلقًا من أصولية شعرية وموقف متطرّف، بل على العكس، أحترم هذا الشكل الكتابيّ في كثير من تجاربِه. بعض نتاج ما يسمّى بِـ"قصيدة النثر" متوهّج، كثيف، اجترح شرراً لغويًّا مبتكَرًا، وتجرّأَ على ما قد يعتبره البعض مقدّساً في الكتابة الشعرية. لكنّ الغموض "الواضح" في تحديد شروط كتابة قصيدة النثر يفتح الأبواب واسعةً لكثير من العاطلين عن العمل لكتابة الشعر، وبهذا انتفت شروط الموهبة، وشروط الثقافة والقدرة اللغوية، والمعارف والمهارات البلاغية والعروضية... ظهرتْ قصيدة النثر في عالمِنا العربيّ دون وجود إرهاصات موضوعية لهذا النوع من الكتابة، وبهذا أُسقِطَ هذا الشكل إسقاطًا دون توطئة فكرية له، والدليل المعارضة الشديدة التي ظهرت ضدّ قصيدة النثر، وما تزال، منذ أكثر من خمسين عامًا. وبالمناسبة، فإنني أوردتُ بعض الآراء بشيء من التفصيل عن هذا الموضوع في مقدمة ديواني الأخير "وجه زينب".

 

-كيف ترى مستقبل الشعر عموماً؟ وما الذي تطمح إليه كشاعر يملك قريحةً شعريّة مميزة وقدرة إبداعية على توليد الصور والرّؤى الشعريّة؟

أعتقد أن الشعر سيبقى ما دام في الدنيا قلق إنسانيّ، عندما ينتفي القلق يندثر الشعر، ومعه سائر الفنون. أمّا من ناحية الشكل، فإنّي أرى أنّ الشعر يتجه إلى قصيدة النثر، نظرًا لاستسهالها من قبل الكثيرين. وأنا أطمح إلى الإبداع، وأن تبقى اللغة سيدةً في الشعر، إلى جانب الرؤى والمعنى الذي نبحث عنه دائمًا.

 

-برأيك، ما أبرز ما تذرّع به دعاة قصيدة النثر لإشاعتها في ميدان الشعر؟

لن أقول رأيي، بل أنقل ما تَذرّع به أدونيس، حيث يقول ما معناه "إنّه يجب إعادة تأهيل عقل القارئ العربيّ..." دعواتٌ ترفع سقف الشروط عاليًا. فهل يعتقد أدونيس وأقرانه أنه يستطيع بالشعر أن ينهض بالإنسان العربي! وبقصيدة النثر التي كتبها وبَشَّر بها سيحمل الوطن العربي إلى مصافّ الدول الكبرى! أنا أرى دورَ الشعر في الدرجة الأولى دورَ إنتاج الجمال، ومن المُجحِف بحق الشعر العربيّ أنْ نتبرّأ من نِعمة الإيقاع الشعريّ، ونستعيض عنه بما يسمّى بالإيقاع البصريّ، وموسيقى الصورة وموسيقى المعنى... وكي أكون موضوعيًّا، فإنّ اجترار الشعراء العموديين لا موضوعاتِهم فحسْب، بل أساليبَهم ولغتَهم، بكثير من الابتذال، شرّع لبِدعةِ قصيدة النثر، وشكّل لها كوّةً تتسلّل عبرها إلى واجهة الشعر العربي.

 

-بناءً عليه هل ما زال جمهور الشعر يتفاعل مع القصيدة ام اختلطت عليه الأشكال والمضامين برأيك فأصبح يدور بما يشبه الدوامة؟

الجمهور، وجيل الشباب تحديدًا، اختلطت عليه الأشكال تمامًا؛ فقلّما يميّزُ شابٌّ بين شكل شعري وآخر. بل إنّ أول ما يجتذبه هو فكرة القصيدة، ومعناها، وما يدغدغه فيها. هبوط مستوى التلقّي الواضح والفاضح، وتدنّي الطلب على الشعر الحقيقي رخّص سعرَ الإبداع.

 

-على الشاعر مسؤولية كبرى من خلال الرسالة التي يحملها عبر قصيدته. فما هي رسالة فاروق شويخ التي يصبو إليها، ويسعى لإيصالها إلى جمهور الشعر؟

أنا واقعي ومتواضع في موضوع "الرسالة"، لأنّ هذا المصطلح، الذي غالبًا ما يُقرَن بالشعر، فضفاض إلى حدّ كبير، إلى حدّ أن بعض الشعراء يظنون أنْ لا قيمةَ لشعرِهم دون "رسالة" أو الاضطلاع بقضيةٍ ما. حين أَلزَمْنا الشاعر بأنّ عليه الاضطلاعَ برسالةٍ ما أوقَعناه في المباشَرة، ووصْف الأحداث بعدسةِ الصحافيّ. إنْ كان لا بدّ من رسالة، فغاية ما أطمح إليه هو أنْ أُشعِرَ القارئَ بنشوة الجمال، ومتعةِ الفنّ، وهذا حسْبي.

 

-بالنسبة للمهرجانات والأمسيات المقامة هنا وهناك برأيكَ هل هذا يكفي لمستقبل الشعر؟ ومن المسؤول عمّا يعانيه الشعراء من عدم احتضانٍ بالشكل الكافي وخصوصاً على المستوى الرسمي وتحديداً وزارة الثقافة؟ وهل لكم مآخذ معينة في هذا المجال؟

المهرجانات والأمسيات الشعرية أمرٌ يبشّر بالفرح دائمًا، نظرًا لِما تتركه من أثر في أذهان الناس ولاوعيِهم من أهمية للشعر. نقدي الوحيد لهذه المهرجانات هو عدم توخّي الدقّة، أحيانًا، في اختيار شعراء وشاعرات على قدْرٍ من الإبداع والمستوى الفنّي.

أما في ما يخصّ عدم احتضان الشعر والشعراء، فهذا يرجع في الدرجة الأولى لوزارات الثقافة العربية، وأدوارها المترهّلة وإعلامها الكسول في انتشال الشعر، ووضعِه في الواجهة، وصعْق الإنسان العربيّ به. هل وصلْنا إلى زمنٍ يتمنّى به شاعرٌ كبيرٌ أن يكون له حظّ راقصةٍ من الدرجة العاشرة، شهرةً وشيوعًا و...ترفًا ماديًّا!!

وثمّةَ لوم لا مناصَ منه أضعه على الصفحات الثقافية في الإعلام المقروء، فهناك جرائد شهيرة منتشرة بقوّة، لها قدرة تأثير كبيرة على البنى المعرفية والفنية للقارئ، تُروّج لشعرٍ رديءٍ، أربأ بنفسي إيراد أمثلة عليه في هذا الموقع المحترم. والقارئ العربيّ الشابّ عندما يقرأ بعضَ تلك النماذج، يعتقد أنّ هذا هو الشعر العربيّ، ويبدأ بالكتابة السيئة على هذا المنوال الفاسد.

 

-من خلال تجربتكم الشعرية، وتفاعلكم مع الأوساط الثقافية خصوصاً باعتباركم من الفاعلين في الحركة الثقافية جنوباً، هل هناك مؤشرات ما لتوالد أجيال شاعرة تحمل رسالة الشعر على أحسن وجه أم ماذا؟

لستُ متفائلاً كثيرًا، لأنّي غير راضٍ على مستوى اللغة الذي أعتبره معيارًا مهمًّا في إنتاج النص الشعري الجيد. هناك تجارب جيدة، وأسماء لا بأس بها.

-من ناحية الجمهور العربي والساحة الشعرية العربية ما هي نظرتكم تجاه هذا الموضوع؟ وهل لكم تفاعل ما معه؟

أعتقد أنّ ثمة دولاً عربيةً تهتمّ شعوبها بالشعر أكثر من غيرِها، وهي دول معروفة وشعوب معروفة، وهذا شيءٌ مشرّف. وأنا في غاية الأسف أنّي لم أزُرْ دولاً عربية كثيرة، كدولة الإمارات العربية مثلاً للتفاعل شعريًّا مع القارئ العربيّ الرائع هناك.

 

-هل ما زال الشاعر صاحب المبادرة على صعيد التوجيه ونقل صورة المجتمع والوطن وما إلى ذلك؟

هذا الدور ينحسر بشكل واضح، وأرى أنّ دورَ الشعر ليس هنا. فقد اتَّضح أنّ الشاعر الذي يتصدّر لموضوع الوعظ والتوجيه، تخسر قصائده الكثير من قيمتها الفنية، لأنها تبتعد عن هاجس إرضاء الفنّ إلى هاجس نقل معاناة الناس، وهذا الأمر يمكن أن تتكفّل بها وزارة الشؤون الاجتماعية، أو أيّ صحافيّ ميداني مبتدئ في أي وسيلة إعلامية. وفي الوقت ذاته، لا أدعو الشعراء إلى الابتعاد عن قضايا المجتمع والوطن، ولكن ليكنْ إرضاء هذه القضايا مقرونًا بإرضاء قيم الفنّ، لأننا هنا ندافع عن هذه القضايا بفنّ الكتابة لا بالمظاهرات غير الخاضعة لمعايير جودةٍ ما. فلنحترمِ الشعر الذي نمتطيهِ لإيصال صوتِنا وللإضاءة على معاناة ما، أو العزف على جرحٍ ما.

 

-ما الذي تحلُم به كشاعر غيورٍ على الشعر والإبداع واللغة...؟

أحلُم، بالمعنى الحرفيّ لكلمة أحلُم، أنْ أرى في يوم من الأيام أو حلمٍ من الأحلام محكمةً تحاسب المتطفلين على الشعر. فمَن يتورّط في كتابة قصيدة رديئة أو يُقحِمُ نفسه في كتابة الشعر أو يُقبضُ عليه وهو يَرشي وسائل الإعلام، يجب أن تُنـزَل به أقصى العقوبات، ابتداءً من الاعتذار أمام الناس حتى الرّجم. وأنا أتبرّع أن أكونَ أوّل زبون متّهَم في هذه المحكمة، ولأحاسَبْ ولأكنْ عِبرةً لمن يَعتبر.

 

-كلمة توجّهها لوكالة أنباء الشعر العربي ولجمهور الشعر عموماً.

أبدأ بالقارئ العربي لأدعوه للعودة إلى الاضطلاع بهواجس القراءة والمعرفة، فليعدْ رقيبًا يحسب له الشاعر ألف حساب، وليبتعد عن النتاج الأدبيّ الذي يدخل إليه عبر كُوى الاستسهال.

أقول للوكالة والسادة الكرام القيّمين عليها، كيف لم نقرعْ بعد ناقوس الخطر، كيف لم نُعلن حالة الطوارئ حيال هذا الانحطاط والإسفاف في الكتابة الشعرية عند كثير من الأقلام في العالم العربي، عند من يدّعون السبق والريادة، ومن لا يرَون الصواب والرقيّ إلا لنتاجهم، لزعمهم أنهم يكتبون بلغة تشبه عصرهم، وإيقاع يوافق إيقاعهم النفسي، إلى ما هنالك من اتّهامات أطلقوها على ما يجهلونه، لأنهم أعداء حقيقيون للإبداع.

 

-كلمتك الختامية في هذا اللقاء الممتع معكم؟

أختم لأقول، جميلٌ، بل أمر يدعو للفخر، أن نرى في زحمة البحث عن المادة، أن نرى في عصر الإعلان والفن الرخيص الهادف إلى الكسب المادي لا غير، أن نرى جهودًا مباركة تسعى وتجهد بإخلاصٍ وتفانٍ لتُبقيَ الشعر في صدارة وسائل صناعة الجمال. وكالة أنباء الشعر العربي تتعدّى بجهودِها حدود النشر والترويج للإبداع، إلى إشاعة الحسّ الجمالي، وإثارة هواجس المعرفة والقلق الفنيّ لدى القارئ العربي. لكم كل التقدير والإكبار.

 



يرجى ذكر المصدر عند نقل الخبر
Powered by ALAPN Networks, Inc.
Copyright © 2003-2010 by ALAPN.com. All rights reserved.