جديد الاخبار


الرئيسية الرئيسية » الأخبار » دراسات وتقارير خاصة » "فتحي عبدالسميع" يقدم دراسة نقدية عن الشاعر "أشرف البولاقي"

"فتحي عبدالسميع" يقدم دراسة نقدية عن الشاعر "أشرف البولاقي"



وكالة أنباء الشعر- القاهرة

"أشرف البولاقي" يستحق تلك الحفاوة ، نظرا لتميزه وجديته ، ونشاطه ، للدرجة التي جعلت منه حالة ثقافية رائعة ، يكتب الشعر ، والدراسات ، ويمنح الكثير من وقته وجهده للشارع الثقافي ، خاصة وأن المبدعَ بوصفه مثقفا يكاد يكون عُمْلةً نادرة، وأشرف البولاقي مِن كتيبة المبدعين الذين يعتبرون تثقيفَ أنفسِهم أهمَّ من الكتابة، فهو قارئ جيد ، ومتابع نَشِط، ومتسائلٌ علي الدوام ، ومتوَّجٌ باستمرار بهذا القلق الثقافي الحميد .


غيرَ أن ما يفتِنُني بشكل خاص عند أشرف البولاقي هو السلوك الثقافي، فهو يسمع قبل أن يتكلم، ويعترف بالخطأ بمنتهي الرشاقة، ويعبِّر عن رأيه بمنتهي الصراحة والشجاعة، وكلامُه لا يتناقضُ مع تصرفاته، ولا ينحاز إلي أشخاص بل إلى أفكار، ويسهل عليه مدحُ شخصٍ أجادَ في موقف، وانتقادُ نفسِ الشخص إنْ جانَبَه الصوابُ في موقف آخر، دون أن يعني ذلك أزمةً مع الشخص. يسهلُ عليه تجنبُ العاطفةِ عندما يكون المجالُ للتفكير المنطقي وحدَه، كما يسهل عليه تجنبُ المنطقِ عندما يتعلق الأمر بعمل فني مثلا، أو موقف إنساني، وهكذا يأخذُ ويرُد، يحاور ولا يفرض، يسأل أكثرَ مما يجيب، وفي الحقيقة نحن نعاني كثيرا مِن أناسٍ ربما تكون لهم علاقةٌ قويةٌ بالقراءة مثلا، لكنهم يتصرفون بجهالةٍ لا تتوفر عند مَن لا علاقةَ لهم بالقراءة، وأحيانا لا نشعر بوجودٍ لثقافتهم إلا عند تبرير سلوكهم الخرافي.


والبولاقي لا يقتصر في نشاطه على الكتابة، وهو يلعب دورا في الحركة الثقافية، يستحق التقديرَ في حد ذاته، نظراً لفاعليته، وطبيعة تلك الفاعلية التي لا تقوم علي حب الظهور أو التواجد، بل ترسيخ قيمٍ نحن بحاجة كبيرة لها، مثل الجدية، والشفافية، وتقديرِ الناس وفْقَ جهودِهم، والوقوف بعندٍ وإصرار وشجاعة أمام كل محاولة للتزييف والتضليل .


وإذا نظرنا إلي كتابات البولاقي سوف نجدها تعبِّر أصدقَ تعبيرٍ عن ذلك، فرغم أنه دخلَ المشهدَ الثقافي مِن باب الشعر إلا إنه لم يقتصر علي الكتابة الشعرية فقط، بل نراه يجمَعُ صفةَ الباحثِ إلي صفة الشاعر، وهو ما كشفتْ عنه دارستُه عن البُكائيات الشعبية، وطبيعة الدراسة في حد ذاتها تكشف أيضا عن عدة أمور. مِن أبرزها العملُ الميداني، وهو يعني الاهتمامَ بالواقع القائم، والإصغاءِ إليه، ومع تعلُّق هذا العمل بالجانب الشعبي، ومحاولةِ سَبْرِ أغواره، يَظهر ميلُ البولاقي للأعماق لا السطوح، ويتكشف قلقُه المعرفي الذي نراه أهمَّ سِمةٍ من سمات المبدع والمثقف.


وإذا نظرنا إلي تجربته الشعرية سوف نراها تعبِّرُ بوضوح عن بعض ما ذَكرنا، وتُجَسِّدُ ذلك الصراعَ بين التفكير العقلاني الرشيد، والتفكيرِ الخرافي المريض، بين المثقف الواعي، والسياسي الأخرق الذي لا ينظر إلي ما هو أبعد مِن مصالحه العابرة. بين الضمير الحارس، واللصوص المَهَرة . بين العمق الحضاري العظيم للجماعة، وحاضرِها البائس والمتردي .


صراعٌ عنيفٌ ومرير يخوضه المثقفُ وحيدا، ومجرَّداً مِن السلاح، أمام جحافلَ مِن قُوَى الجهل والتخلف، قوَى السطحية والتفاهة، قوَى العنف والقسوة، إلى آخر تلك القوى الجهنمية التي تتدنى معها قيمةُ الإنسانِ في العالم إلي أحط درجة، وتعودُ به إلى عصور ما قبل التاريخ، مع فارق واحد هو بعض المظاهر الشكلية أو الخارجية، ولعلَّنا نظلم إخوتَنا في عصور ما قبل التاريخ، فقد كانوا أكثرَ براءةً ووضوحا.


نظرةٌ سريعةٌ لقصيدته ( واحدٌ يمشي بلا أسطورة ) تكشف عن كل ذلك ، فهي منذ العنوان تعبِّرُ عن فرد، وهذا الفرد نراه بامتداد القصيدة / الديوان في حالة صراع دائم مع الجماعة التي ينتمي إليها، وهو صراعٌ مأساوي، يقوم على هزيمته أو هزائمه، وعنادِه في نفس الوقت علي مواصلة المعركة التي تبدو خاسرة .


وكلمة " أسطورة " تشير إلي طرَف الصراع الآخر وهو الجماعة التي ينتمي إليها بطلُ القصيدة، فالأسطورةُ شكلٌ ثقافي يعبِّر عن جماعة، ويكشف عن طبيعة نظرتها للعالم، وعندما يتجرد الفردُ من هذا الشكل يدخل بالضرورة في صراع هائلٍ مع الجماعة التي تقدِّسُ الأسطورة، وتنظر للخارج عن إطارها باعتباره العدوَ الأكبر؛ لأن الخروجَ عن النظام الفكري المُستقر يهدد الكيانَ القائمَ بانقلاب جارف، تختل فيه الموازينُ الثابتة، وتنهار معه أمورٌ وأمور، فيُحرم المستفيد من فائدة أبدية، ويتجرد المتميز من ميزات متوارثة، ويتحول الهامشي أو الأدنى إلي الصدارة، ويبرز علي السطح ما حكم عليه بالسقوط في القاع.


ودلالة كلمة " أسطورة " في الديوان تحيل إلي نظرة تقليدية للعالم، نظرة متوارثة وراسخة، وجامدة، وتعبِّر عن كسل النشاط العقلاني، وانتماءِ الجماعة إلي عصر أسطوري بعيد، لا إلي العصر الذي تعيش فيه بتحدياته المختلفة، وإمكانياته الهائلة التي فَرَضت بالضرورة نظرةً مختلفة للعالم، فنظرةُ الفلكي القديمةُ النابعةُ مِن تطلعه وتحديقه في النجوم مستخدما عينيه، أو حتى منظارا بدائيا، تختلف عن نظرة الفلكي الذي يعتمد على الأقمار الصناعية، والمراصدِ الهائلة، وكذلك نظرة الطبيب للمرض التي تعتمد علي استخدام خبراته الشخصية مع الأمراض، تختلف عن نظرة الطبيب الذي يعتمد علي ألوان وأشكال من الأشعة والتحاليل، وكل تلك المتغيرات تحتاج إلي نشاط عقلاني هائل، يقوم علي حوار متواصل مع المستجدَّات، ومرونةٍ دائمة تسمح بنبذ العناصر المُعطلة، أو التي اكتَشفَ الوعي النقدي بطلانَها .


مِن هنا يصبح السيرُ بلا أسطورةٍ في الديوان تجسيدا للخروج من حالة ثقافية قِوامُها الجمودُ والتحجر، يلعب فيه التقليدُ دورَ البطولة، إلي حالة ثقافية قوامُها المراجعةُ والتساؤل، ويلعب فيها الوعي النقدي دورَ البطولة.


لقد جَسَّدَ النصُّ نموذجا معيَّنا ينبع مِن واقعنا المتأزم، هو نموذج المثقف الحُر باعتباره مُنقِذا ومُخَلِّصا ، وقد وَجد الشاعرُ في شخصية يوسف عليه السلام تحققا تاريخيا لهذا النموذج، ومِن هنا كانت تلك الشخصيةُ رمزا محوريا في القصيدة، لا يَكُف عن التحليق في أجوائها بجناحيه المعرفي والجمالي، فهو مِن ناحيةٍ رمزٌ للكشف والتعبير والنشاط العقلاني، ومِن ناحية أخري رمزٌ للجَمال والمشاعر الإنسانية النبيلة والخلاقة. وكما كان هذا النموذج التاريخي منقِذا من الهلاك المحقَّق في مصرَ القديمةِ، يبدو بطلُ القصيدةِ منقِذا مِن الهلاك المحقق في مصرَ الحالية إنَّ بطلَ القصيدة يحمل هويةً شعرية واضحة، فهو شاعرٌ بالدرجة الأولي، وقد يبدو هذا الأمرُ مثيرا للتساؤل، فالهويةُ الشعريةُ تقوم علي الانفعال، والخيال، والرمز، واللغةِ المجنَّحة، وغيرِها مِن الأمور التي تبدو بعيدةً عن النشاط العقلاني، بل ومناقِضةً له. فكيف يكون المرءُ شاعرا وعقلانيا في نفس الوقت؟


هذا التساؤل في تقديري ينبع مِن وعي قاصرٍ بالشعر؛ فالشاعرُ وإنْ كان مخلوقا جماليا بالدرجة الأولي، إلا إنه وبنفس الدرجة مخلوقٌ معرفي بنفس الدرجة، ولا توجد قصيدةٌ - خاصةً لو كانت مطوَّلة - بدون نشاطٍ عقلاني كبير، يلعب دورا أساسيا في بناء النص وما يتطلبه مِن تنظيمٍ وترتيب وحرصٍ على إيقاعٍ مُعيَّن وهكذا، ومهما كان النص الشعري موغِلا في الخيال فهو يحتوي على قدْر كبير مِن العقلانية التي تشد الخيالَ إلي الواقع - وإنْ بشكلٍ خفي - فالخيال هنا ليس حُرا تماما كما قد نتوهم، إنه خيالٌ محسوبٌ بعناية ودِقة بالغة، ومِن هنا فالقصيدةُ الجيدة تُثري نشاطَنا العقلاني أكثرَ بكثير مما نتخيل، وهي تثريه بشكل فريد وسحري، ومِن ثّمَّ فلا تعارضَ بين العقلاني والشاعر، ولا وجودَ لإنسان يعرف العقلَ ولا يعرف المشاعرَ وإلا فهو آلةٌ صمَّاء، ولا وجودَ لإنسان يعرف المشاعرَ والخيالاتِ ولا يعرف العقلَ، وإلا فهو مجنون. وقيمةُ الإنسانِ الحقيقةُ تقوم علي تكامل العقل والوجدان .


لقد دأبت المناهجُ النقدية الحديثةُ علي عزل النص عن المبدع، فالبطل في النص كائن مُتخيَّل تماما، ولا بد عند دراسته مِن النظر إليه مستقِلا عن مبدعه - وهذا صحيح بالطبع - لكننا نستطيع أن نؤكدَ هذا التقاربَ بين بطل القصيدة، ومبدعِ القصيدة، وقد يختلف البطلُ عن المبدع في بعض التفاصيل ، وقد يكون محاطا بكثير مِن الصور الخيالية التي لا وجودَ لها في الواقع، ومع ذلك يبقى الحديثُ عن التطابق بينهما وارداً مِن حيث الجوهر، سواء مِن خلال السلوك الشخصي للمبدع المتحقق في الواقع، أو مِن خلال الصورة المثالية التي يراها المبدعُ لنفسه، ويسعى إلي تحقيقها .


والبطلُ في قصيدة البولاقي ليس نموذجيا فرديا ينشد استقلاله عن الجماعة، بل هو نموذج عام، وهو منبوذٌ من الجماعة لكن هذا النبذَ يؤلِمُه ويسحقه، وهو متمردٌ علي ثقافة الجماعة لا مِن موقع المتعالي، بل مِن موقع الحريص علي الجماعة، والحاملِ لهمومها وأوجاعها .


بطلُ النص هو المثقفُ الحُر النزيه، وهو النموذج الذي يتطلع إليه البولاقي، باعتباره يجسد الخلاصَ الحقيقي مِن مأزقنا التاريخي .


لسنا في احتفاليةٍ خاصة بأشرف البولاقي، بقدر ما هي احتفاليةٌ بذلك النموذج الثقافي الذي نحتاج إليه بشدة، وليست هي احتفالية بالأساس بقدر ما هي دعوةٌ لتعميم هذا النموذج، وتكريسِ قيمته في الواقع، وإنْ كنا نتحدث عن مشروع لنهضة الوطن، فلا معنى لهذا الحديث إنْ لم يكن في أولوياتنا بناءُ الأفراد بحيث يتوفر فيهم الحد الأدنى مِن نموذج المثقف الحر النزيه .


هذا هو المشروعُ الحقيقي الذي ينبغي أن نعمل عليه جميعا سواء بشكل فردي أو جماعي، فكل فردٍ ينبغي عليه أن يعمل بجد واجتهاد لتحويل نفسه إلي مثقف حر ونزيه، وإلا فهو نقطة ضعف في هذا الوطن، وعنصرٌ مِن عناصر هوانِه، هذا فضلا عن إجرامه في حق نفسه، فالحريةُ بلا وعي عبوديةٌ، والكرامةُ بلا نزاهة حقارةٌ، والنفسُ الحرة النزيهة هي وحدَها التي تعرف قيمةَ ومعنى الوجود الإنساني . ومعرفة تلك القيمة تصنع المعجزاتِ ، فتحوِّلُ القُبحَ إلى جَمال، والعقمَ إلي خصوبة، والبؤسَ إلي بَرَاحٍ كريم .


تحية لأشرف البولاقي تليق بجهوده ، وبمحبتنا له ، وبما ننتظره منه علي مستوي الشعر ، والبحث ، والعطاء الثقافي العام.


قدمت لاحتفالية بالشاعر في "قنا"












يوتيوب الشعر والأدب


نشكرك على المشاركة ..! لقد تم اضافة تعليقك بنجاح .
 عدد التعليقات عدد التعليقات 0

اضافة تعليق على المقال

 أخفاء البريد الإلكتروني



 ادخل الارقام كما ترها !   ادخل الارقام كما ترها !





 




ارشيف الاخبار :نوفمبر 2018
الأحد الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
    
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
30
 


القائمة البريدية اشترك معنا في نشرة الموقع الاخبارية
 


ما هي نسبة جودة المنتج الأدبي في الأعمال المنشورة؟

٢٥٪‏
٥٠٪‏
٧٥٪‏
أكثر من ٧٥٪‏




alapn.com alapn.com 2018 جميع الحقوق محفوظة.
  برمجة وتصميم طريق التطوير